عمران المدن المهمل !

يعتاد سكان المدن على رؤية مظاهر المدن بطريقة مستمرة ومهما كانت هذه المظاهر سوداوية المشهد إلا أنهم يعتادونها مع الزمن ولكن عندما ينتقلون لمدن أخرى لأغراض السياحة والسفر أو الزيارات البسيطة فكأنهم حينها يدركون أن للمدن وجه حسن لم يروه من قبل, أن معرفة ما الذي يحسن نظرة سكان المدن نحو مدينتهم وما الذي يزعجهم ليس صعبا ولكن الأهم ماذا ستفعل إدارات المدن بهذه المعرفة ؟.

بشكل مستمر تزداد مشاهد البؤس في عمران المدن سواء في الأحياء أو الطرق أو المداخل أو المباني أو سوء التعامل مع العوامل الطبيعية المختلفة ودون وعي وإدراك لها يستمر سكان تلك المدن بالشعور المتناقض لديهم بين محبة لشيء وكره لجزء منه ولكن الأسوء من ذلك كله هو بؤس عدم وجود رغبة لتغيير ذلك.

أن المقصود من المقدمة ليس تسليط الضوء على جمال المدن ومدى بؤسها بل أن النظر للمدن من زاوية الجمال والمظهر فقط لن يصنع مدينة تحقق متطلبات ساكنيها ولا الاحتياجات المسئولة عنها وقد تكون هذه العبارة صحيحة جداً إذا ما نظرنا للمدن من زاوية أحادية.

وحتى نتعرف على سوداوية بعض مظاهر المدن التي أعتادها ساكني المدن ألا وهي المباني المهجورة وماهي أسباب هجرها والتي منها ما أنتفت الحاجة له ولم توضع له خطة للاستفادة أو الإزالة وبعض من تلك المباني مملوكة لقطاعات حكومية وأخرى لشركات أو مؤسسات تعدها كأصول لا تأكل ولا تشرب ولا تستطيع استغلالها في وضعها القائم وثالثة وهي الأسوء إطلاقا وهي الواقعة ضمن ملكيات الأفراد ومهملة أو عليها خلافات حقوقية أو خلافات ورثة ومن أنواع المباني المهجورة في المدن هي المباني التي قضت سنوات وهي تحت الإنشاء ولم تكتمل ومباني أخرى هي مباني حديثة أخليت لأنها آيلة للسقوط تعلوها تحذيرات للعابرين من القطاعات المسئولة عنها ولكن لم تزال !! ,في المجمل قد أصبح إهمال تلك المباني بؤراً للشر وتشويه للمنظر ومقلقة لنفوس الساكنين بجوارها وسلبية للغاية في هوية المدن وعمرانها وفرصها.

أن ساكني كل مدينة من المدن يعلمون عن العديد من تلك المباني وعن القصص والحوادث التي حدثت بها وهي اليوم تمثل مظهراً سوداوياً نحو مدينتهم ولكنهم للأسف أعتادوها دون سبب مقنع هم فقط تأقلموا جيداً مع واقع وجود تلك المباني المهملة إلى جوارهم مؤجلين البت فيها بما يجب أن يكون من أجل مصلحة مدينتهم وفرص تطورها وتنميتها.

لنبدأ الآن ونراجع مدننا ونقرأها بعين التحقق من مبانيها ولنرى كم منها مهمل وكم منها مهجور وكم منها آيل للسقوط وكم منها متوقف عن البناء منذ سنين وكم من كل تلك المباني يستحق البقاء والترميم والاعتناء به وإعادته إلى الحياة وإستخدامه وكم منها يجب إتقاء شر بقاؤه مهمل وإزالته مباشرة وكم منها يجب دعم إستكمال بناؤه وتعزيز فرص نجاحه من أن يكون ضمن لائحة شرف العمران المهمل.

تذكرة مغادرة : يقول الأمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه “الصبر صبران صبر على ما تكره و صبر على ما تحب” .

فرضيات المدن المميزة ,, أين الخلل؟

في العديد من اللقاءات والحوارات عن مشاكل المدن وما يجب عمله وما لا يجب وما المفترض القيام به تظهر عدد من الآراء التي تتحدث بطريقة مبالغة نحو مدينة أو أخرى باعتبار أنها قد تجاوزت بعض المشكلات الأكثر حدوثا في المدن الأخرى ولكن تلك الآراء لا تبعث على أن يكون للمدن الأخرى حلم سوى تكرار تلك المدينة التي تحدثوا عنها والأكثر غرابة من ذلك هو أن تتشبع تلك المدن بهذا الرأي لتفشل في تقديم التطوير المنشود لها.

أن التميز الذي يلامس أي مدينة ليس بالضرورة أن يغطي جميع جوانب الحياة بالمدينة وأفضل المدن على الإطلاق وعلى مستوى عالمي لو أعيد قراءتها من نواحي متعددة سيظهر الكثير من العيوب فيها وجوانب النقص المتعددة والتي لم يعمل من أجل حلها شيء بسبب أن القائمين عليها قد تشربوا أن مدينتهم هي الأفضل والأكثر تميزاً فلا تحتاج مع هذا التميز والنجاح إلى المزيد من العمل.

كما أن صعوبة التصديق بوجود تلك العيوب ضمن المدن التي اكتسبت صيتاً بأنها مميزة بما يكفي هي أصعب مرحلة تمر على القائمين على المدينة وذلك بسبب تغيير الافتراضات المتعارف عليها بالنسبة لهم مما يجعلهم أصحاب ردود فعل مندفعين وبشكل لا إرادي نحو التمسك بما اعتادوا عليه ورفض التصديق بوجود مثل تلك العيوب الواضحة في مدن ظنوا أنها مميزة بشكل أسطوري وهذه الجزئية هي في الحقيقة ما يخدع به العديد من المتخصصين في إدارة المدن وكذلك هي ما تجعل مدنهم متميزة فعلاً إذا ما أصبح من الصعب عليهم القبول بالافتراضات والرضا بالوضع الراهن أيا كان ذلك الوضع , فالتميز مرتبط بالتطور والتطور مستمر لأن العلم مستمر وعلى ذلك يجب أن تكون المدن كذلك مستمرة بالتعلم والتطور من أجل التميز الحقيقي والفعلي لا التميز الدعائي وبالطبع ليس بسبب عدم وجود منافس يظهر المقارنات بشكل أكثر واقعية.

تذكرة مغادرة : يقول الكاتب بيتر أوستينوف “ الحقيقة طموح ليس في متناولنا تحقيقه ” .

التطور من خلال المستخدم النهائي

تواجه الجهات والمنظمات المختلفة سواء من القطاع الحكومي أو الخاص معضلة هامة جدا وهي فهم المستخدم النهائي لمنتجاتهم وخدماتهم وما هي قدرة تلك المنظمات على تحديد احتياجاته بشكل دقيق خاصة تلك الجهات التي تقدم خدمات أو منتجات مباشرة للمستخدمين وتواجه كذلك معضلة أخرى في طريقة العمل الداخلية على تحقيق تلك الاحتياجات والحصول على رضا المستخدم النهائي, فمن المتعارف عليه أن الخدمات والمنتجات المقدمة للعامة تتطور بحسب مجالين تقدم التقنيات الخاصة بها أو تلبية حاجة المستخدمين ولا تحتسب رغبة مقدم الخدمة في التطور أنها عملية تطويرية بل عملية تحديث وفي حالات محددة جداً ومنها تلك الخدمات التي لم يألفها المستخدم أساساً كالتقنيات الحديثة أو جيل جديد من خدمة لم تكن موجودة من الأصل إلا أن عمليات تطوير الخدمات والمنتجات قد لا يؤخذ في الاعتبار رأي المستخدم النهائي عنها أو قد يؤخذ ولكن لا يتم الاعتناء به بشكل صحيح.

أن الغائب الأكبر في عملية تطوير الخدمات والمنتجات هو المستخدم النهائي والذي يجب أن يكون حاضراً ضمن عمليات التطوير والتحديث المختلفة سواء للخدمات أو المنتجات ومن أجل ذلك يجب على مقدمي الخدمات ومصنعي المنتجات تيسير الأمور وتسهيل الظروف والإمكانيات لإتاحة الفرصة للمستخدمين نحو تحديد الخيارات الأفضل بالنسبة للخدمات والمنتجات وكذلك ضرورة استيعاب مستخدمي الخدمة لنطاق الخدمة المحددة ونطاق الجهة والقطاع والمجالات المختلفة التي من الممكن تقديم الخدمة من خلالها ومن ذلك كله يبدو أن العديد من الجهات تؤمن بأن وجود المستخدم النهائي سيفرض على القطاعات التزامات لا يحتاج إليها حقيقة ولكنهم في الحقيقة يتجاهلون أن عدم وجود رأيه وغياب دوره في التطور مع دخول منافسين آخرين يلتزمون بتفعيل ذلك سيجعل من هؤلاء المستخدمين راغبين أكثر بالرحيل عن تلك الخدمة أو المنتج.

كما أن عدم رؤية المستخدم النهائي بصفته جزء من الحل والتطور للخدمات والمنتجات سيربك عمليات التطوير ويجعل من عدم التطور مشكلة المستخدم الأساسية ليكون التساؤل دوماً عن أسباب عدم تطور الخدمات والمنتجات في مقابل ما يتحمله المستخدم لقاء الحصول عليها سواء من جهد أو مقابل مادي والأسوأ من ذلك إدعاء بعض القطاعات استمرارية التطور في منظومة الخدمات والمنتجات مع عدم ملامستها لاحتياجات المستخدم النهائي فيكون تطورها في نطاق لا يحتاج إليه المستخدم أساساً وذلك مما يدعو للتعجب حقيقة تجاه المسئولين والقياديين في تلك القطاعات وهوية من يقرر احتياجات المستخدمين ويعمل لأجل تحقيقها داخل تلك القطاعات والمنظمات وماهية خبراته وكيف له أن يعمل على أولويات المستخدمين لخدمات قطاعه إذ هو لم يستطع تحديد احتياجات المستخدمين لخدماته عبر الاستماع لهم واحترام آرائهم.

رأي المستخدم النهائي أكثر أهمية من بقية الآراء الأخرى سواء تجاه الخدمات أو الحلول الممكنة فهو يعبر عن احتياجاته بشكل صريح ويتعامل مع الخدمة بشكل واقعي أكثر من العديد من الآراء البعيدة خاصة تلك الآراء التي تتعامل مع الخدمة بشكل إشرافي والتي يكون جل عنايتها استمرار الخدمة لا استمرار تطورها ومهمة الجهات التي تبحث عن نجاح خدماتها ومنتجاتها هو البحث عن المستخدم النهائي المتفاعل والذكي فهو محور اهتمام وتركيز العديد من الجهات التي تقدم خدماتها في العالم فالبحث عنه والتعامل مع احتياجاته المختلفة ينتج عنها منتجات وخدمات أكثر قدرة على تلبية احتياجات المستخدمين جميعاً وأعلى كفاءة في فهم المتطلبات المختلفة لتكون النتيجة النهائية هي رضا المستخدم النهائي وتحقيق أقصى درجات الجودة للخدمة.

تذكرة مغادرة : يقول الفيلسوف جون ستيوارت ميل : “ لا يمكننا أبداً التأكد من أن الرأي الذي نحاول كبته رأيٌ خاطئ، وحتى لو كنا متأكدين فكبته سيظل إثماً ” .

موسيقى المدن

لكل مدينة مذاق خاص بها ونكهة متفردة عن غيرها وموسيقى تملأ أرجائها وبنيانها وطرقاتها فهنالك مدن لا تسمع فيها سوى القليل من هدوء الطبيعة والكثير من المدافع الضاربة والطائرات والبراميل المتفجرة وهنالك مدن لا تصدح سوى ضجيجاً قادماً من حركة عمل مستمر وتطور دائم ونمو يبعث على التفاؤل لمستقبل المدينة وساكنيها وهنالك المدن الهادئة جداً التي تهمس بها أصوات الطبيعة دون أن تخلو موسيقاها من أنغام البحث عن الكنوز الجديدة والمثيرة من أسرار الطبيعة, وهكذا تستمر المدن في اختلافها عن بعضها البعض وتستمر في تتشابها كذلك, تختلف كلياً في أنغامها فتقدم كل منها أنغامها الخاصة وستلاحظ تلك الأنغام التي أتحدث عنها ما أن يطرأ أسم مدينة ما تحبها في ذهنك, يبعث عقلك احساساً صادقاً عن تلك المدينة سواء كان جميلاً أو سيئاً ولكنه في الحقيقة غالباً ما يحكي واقع تلك المدينة وموسيقاها التي تحتفظ بها في مخيلتك .

أن أذهاننا تصور وجودنا بين طرقات المدن التي نحب وبين أحيائها المختلفة بمجرد مرور أسمها أمامنا وكل ذلك يتم بشكل مذهل حتى يخيل لنا أننا نعايش واقعاً لا خيال فيه بأدق تفاصيل الحياة المختلفة والمتمازجة بها وفي واقع الأمر ما هي إلا تأثير مباشر من موسيقى المدن التي تختفي خلف ستار المشهد الصامت للمدينة لتظهر مرة أخرى وتحضر بشكل غزير في أذهاننا حينا نحو تاريخها وتراثها وحينا نحو مجتمعها وترابطه وحيناً نحو تطورها عبر الزمن ومرات كثيرة تذهب بنا نحو إنسانيتها وكثيراً ما تبعث بنا المدن نحو أطياف سماءها وفصولها المختلفة وذكرياتنا عنها.

لكل مدينة موسيقى خاصة بها نستشعرها في مجتمعات تلك المدن فيكفي أن تعرف طبيعة مجتمع ما وسلوكه لتحكم على واقع تلك المدينة فالمجتمعات غالباً ما يتمسكون بالصوت الذي يتعلمون تأديته في مدنهم لينقلوه معهم أينما أرتحلوا ولذلك تبقى أجمل المدن على الإطلاق هي المدن التي تمازج أصوات جميع أفراد المجتمع لتكون صوتاً واحداً يعبر عنهم جميعاً بشكل جميل.

تذكرة مغادرة : يقول الشاعر محمود درويش : “ لو أرهفنا السمع إلى صوت الصمت لصار كلامنا أقل ”.